برهاني الساطع بالرد على ياسر برهامي حول الأتراك و”أرطغرل” وابن عربي.

طالعنا، أمس الخميس، الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر بفتوى جديد، ضمن موضة الفتاوى “الأكشن”، أن مشاهدة مسلسل قيامة أرطغرل “مصيبة، لأنّ مشكلته الكبرى ليستْ فقط في الموسيقى والنساء، والخلط في التاريخ، وإدخال الأمور بعضها في بعض؛ بل الأخطر نشر فكر ابن عربي وتفخيمه”.

وتابع أن من “أخطار المسلسل تعظيم القومية التركية، وإظهارها كقيادةٍ للعالم الإسلامي”، مضيفا أن «البدع التي دبّت في جسد هذه الدولة، والخرافة والعصبية التركية في قرونها الأخيرة هو الذي أدى إلى أعظم مصيبة شهدتها دول العالم الإسلامي؛ بسقوطها واحتلال بلاد المسلمين مِن قِبَل الغرب، ثم في النهاية بسقوط الخلافة”.

أولا يا حضرة الدكتور، نرجو من حضرتك إبراز الأسس الشرعية التي استندت عليها في إصدار هذه الفتوى، أم أن سوق الفتاوى أصبح مباحا حتى لغير أهل الورع والتقوى؟

ناثيا يا حضرة الدكتور، فتواك أتت متأخرة جدا جدا، فنحن والملايين قد شاهدنا حتى الآن 115 حلقة من المسلسل الأشهر اليوم في العالمين الإسلامي والعربي، وبالتالي فإن هذه الفتوى “الأكشن” لا قيمة لها ولن تعيد تطهير عقولنا، كما تظن.

ثالثا يا حضرة الدكتور، بخصوص الموسيقى والنساء، للعلم لا يوجد أي إجماع بين علماء الأمة الإسلامية على حرمة الموسيقى، تريد أن ترحمها حضرتك فلا بأس بذلك، ولكن السؤال: الموسيقى والنساء انقرضتا في العالم كله ووجدتا حصرا في المسلسل؟ وهل موسيقى الغناء للديكتاتوريين ورقص النساء في الشوارع والطرقات مغضوض عنه كي لا يغضب ولي الأمر؟

رابعا يا حضرة الدكتور، بخصوص “الخلط في التاريخ”، فلعلم حضرتك أن المسلسل لم يقدم نفسه على أنه مرجع تاريخي، والعالم والجاهل يعلم أن سيناريو المسلسل فيه الكثير من الحبكة الدرامية وفق تصريحات رسمية لمنتجيه، فما الذي اكتشفته حضرتك؟ وإضافة إلى ذلك، المراجع التاريخية المعتمدة ـ طبعا عند أهل الفهم ـ هي كتب التاريخ الموثقة لا المسلسلات، فدور المسلسلات ـ خاصة إن كانت ثقة كمسلسلنا الذي نحن في حضرته ـ فتح الباب للتعمق في التاريخ علنا نتعلم… ولكن واضح أن بعضنا لم يتعلم.

خامسا يا حضرة الدكتور، بخصوص “إدخال الأمور بعضها في بعض”، فهذا كلام مرسل لا قمية له لأنه غير مفهوم، ومستغرب جدا أن يصدر كلام غير مفهوم من “دكتور”.

سادسا يا حضرة الدكتور، بخصوص أن “الأخطر نشر فكر ابن عربي وتفخيمه”، فإنه ليس من الأمر القويم التهجم على علماء المسلمين والقدح بهم ـ حتى لو اختلفت معهم بالرأي ـ ولذلك نقول إن الشيخ محي الدين بن عربي هو ذاك العالم الجليل الذي جاب أكثر البلاد احتضاناً للعلم في زمانه، وأجازه جماعة: منهم الحافظ السلفيّ، وابن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزي.

أما عن تصوف الشيخ محي الدين، فالتصوف الحق هو ” اتباع الأخلاق والآداب الإسلامية المقتبسة من الكتاب والسنة، أو السعي إلى مقام الإحسان الذي عرفه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه”.

يقول الشيخ محي الدين بن عربي في كتابه اصطلاح الصوفية: “التصوف: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً، وهي الأخلاق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان المكارم للأخلاق، وتجنب سَفْسافها؛ لتجلي الصفات الإلهية، وعندنا: الاتصاف بأخلاق العبودية، وهو الصحيح؛ فإنه أتم”.

أما قضية الحلول والاتحاد المفترى فيها على الشيخ محي الدين بن عربي، فإنها منفية منه قبل أن تكون منفية عقلا ومنطقا ودينا، يقول الشيخ في كتاب “الكنه فيما لابد للمريد منه”: “ليس كمثله شيء، وحسبك هذا، فكل وصف يناقض هذه الآية مردود”.

ومن هذا الكلام، يتبين أن الشيخ كان منـزها لربه، شرح كلامه أنه أراد اتحاد إرادتين، أو أن الفعل من الله ومن العبد؛ بمعنى أنه من الله خَلقاً ومن العبد كسباً، أو أن العبد لا يفهم ربه إلا بما يعرف من نفسه لقصور فهمه، وهو في كل هذا الكلام لا يشبِّه ولا يجسِّم ولا يعتقد حلولاً ولا اتحاداً.

والحق يقال أن مؤلّفات الشيخ محي الدين بن عربي أو كثيراً منها لم تخْلُ من دسّ الباطنييّن، لا سيّما كتابه المشهور “الفتوحات المكيّة”، فلنكن منصفين يا حضرة الدكتور.

فمن أي فكر تحذر يا حضرة الدكتور، أمن فكر التوحيد الذي حاشا للشيخ محي الدين أن يقول غيره؟! أم أن قدرنا سيبقى إلى يوم القيامة أن نطعن بعلمائنا ومشايخنا ليل نهار، والبشرية وصلت إلى سطح القمر ودخلت إلى قلب قلب الخلية في جسم الإنسان؟!

وللإشارة هنا، فإن الأصل في المؤمن يا حضرة الدكتور حسن الظن مهما استطاع، ولجم اللسان عن قول السوء بالمؤمنين، ناهيك عمن شهد لهم الأكابر والعلماء بالصلاح والورع.

سابعا يا حضرة الدكتور، عن أي قومية تركية تتحدث وكل المسلسل دعوة لوحدة المسلمين وإعلاء كلمة الله؟! عن أي قومية تتحدث ولا تخلو حلقة من المسلسل فيها دعوة لاتحاد المسلمين معا ونبذ خلافاتهم؟!

ثامنا يا حضرة الدكتور، نعم فلنقل الحق ولنذكر التاريخ كما هو ألم يكن الأتراك ـ أتراك مسلمون ـ حماة لهذا الدين لمئات السنين؟! وباعتراف حضرتك أنت، فأي الضير من ذكر ذلك؟!

وللإشارة فإن المسليمن في ذاك الزمان كانوا يدا واحدة دون تمييز عرقي وقومي، فلم يحصل هذا التمييز وهذه التفرقة إلا عندما أتى المحتل سيد “علماء السلاطين”.

تاسعا يا حضرة الدكتور، عن أي بدع تتحدث أم أن كل من يخالف نهجك هو مبتدع؟! من أعطاكم سلطة تبديع المسلمين وتكفيرهم وإخراجهم من الملة؟! الأولى من التبديع والتفسيق والتكفير والتشريك هو الحديث عن مفهوم الأمة الواحدة، التي استطاع “الصليبيون” أن يصلوا إليها ولم يصل إليها حتى الآن كثير ممن يدعون أنهم يملكون “تيكت” مفتوح إلى الجنة.

عاشرا يا حضرة الدكتور، أقول لك أنك نسفت كل كلامك السابق الوارد في فتواك “الأكشن” عندما اعترفت أن ما كان عليه الأتراك هي خلافة إسلامية.

أنت قلت ذلك في ختام فتواك، عندما قلت “ثم في النهاية بسقوط الخلافة”، وهذا اعتراف بأنها كانت خلافة وليست دولة بدع وليست دولة موسيقى وليست دولة نساء وليست دولة خرافة وليست دولة ضعيفة محكومة من “أهل الجهل” وإلا لما كانت خلافة.

قولك أنها “خلافة” ينسف كل الفتوى وينهي كل النقاش، وإلا كيف تقول عن دولة البدع والخرافة والعصبية والقومية أنها “خلافة”… وطبعا “الدكتور” من المفترض ألا يناقض نفسه.

وختاما، أبشرك أن المسلسل مستمر وأنه يعرض بأكثر من 10 لغات ويشاهده الملايين من المسلمين وغير المسليمن، الملايين ممن لا يعبأون بـ”فتاوى الأكشن”، يعبدون الله بإيمان صادق يحبون بعضهم البعض، ولا يشتمون بعضهم البعض، يتعاونون فيما بينهم ولا يتباغضون، يتعايشون بأمن وسلام لا بحقد وضغينة على الأحياء والأموات.

مسلمون وجوههم يملؤها النور، الله تعالى وحده هو من سيحاسبهم لا أنت ولا أي “شيخ” على وجه هذه الأرض… وحقا إن “كوبيك” لم يمت.